my new article in al akhbar: نكبة سكّان نيو أورليانز وجنـوب لبنان ونهر البارد

نكبة سكّان نيو أورليانز وجنـوب لبنان ونهر البارد

مارسي نيومان *
نازحون من نهر البارد (أرشيف ــ بلال جاويش)نازحون من نهر البارد (أرشيف ــ بلال جاويش)تلمّح قصيدة سهير حماد «عن الملجأ واللغة»، المكتوبة في أعقاب الإعصار كاترينا في آب 2005، إلى النكبة كوسيلة لتصوّر ما كان مخبأً لسكان نيو أورليانز المشرّدين داخلياً:
«أفكر في أجدادي وكيف دعاهم البعض باللاجئين ودعاهم آخرون بغير الموجودين. هم دعوا أنفسهم بمن لا أرض لهم، وهو ما يعني بلا مأوى قبل الإعصار. لا خيام أعدت للفرار، لأن الأميركيين لا يعيشون في الخيام. فالخيام هي من أجل هايتي والبوسنة ورواندا. اللاجئون هم بقية العالم».
تكشف صور الترحيل القسري والتشرد هذه عن التشابه المدهش لناس رُحّلوا قسراً عن ديارهم بسبب أحداث كارثية. كوارث من صنع الإنسان لا الطبيعة. في السياقين من المفيد الأخذ بعين الاعتبار اقتراح المؤرخ الإسرائيلي، ايلان بابي، بأننا نتحدى مصطلح النكبة، لأن الكوارث هي مجرد أحداث تنتج كوارث فجائية وليست أحداثاً من صنع الإنسان.
وبغضّ النظر ما إذا كان تعمّد الصهاينة ارتكاب المجزرة وطرد الفلسطينيين، أو سوء تصرف الحكومة الأميركية المتعمد في إعادة تأهيل السدود في نيو أورليانز تحسباً لحدوث إعصار، فيجب أن نعترف بأننا نتعامل مع محاولات تطهير عرقي لمنطقة من سكانها على أساس العنصرية و«تفوّق الأبيض».
للتلميحات في قصيدة حماد، صدى ليس فقط مع الأحداث قبل 60 عاماً، ولكن أيضاً مع مضاعفات السياقات اللبنانية والفلسطينية في السنوات الأخيرة، بما فيها الحرب الإسرائيلية على لبنان وغزة عام 2006، حرب بدأت في غزة وتستمر بأشكال مختلفة حتى اليوم، وتدمير الجيش اللبناني لمخيم نهر البارد للاجئين في الصيف الماضي. وهي تأخذ أشكالاً مختلفة، لكنها أيضاً تلتئم بطرق معينة.
خلال حرب تموز 2006، ساعدتُ في تنظيم رحلة لشبان فلسطينيين من مخيم دهيشة للاجئي 1948. في واحدة من القرى، وهي قرية جرش المدمرة جزئياً وغير المأهولة في الوقت الحاضر والواقعة على تلة هادئة، كان يمكن أن نشعر باهتزازات القصف على غزة تحت أقدامنا بينما نشاهد أيضاً طائرات قوات الاحتلال الإسرائيلي تحلّق فوق رؤوسنا في طريقها إلى لبنان.
وكنت مدركاً تماماً أن هذا القتال يحدث في الذكرى السنوية الأولى على إعصار كاترينا.
قبل أسبوع واحد من رحلتنا إلى جرش، وبينما كان تشرّد ودمار جديدان يمطران لبنان وغزة، قدمت وكالة التعاون الأمني الدفاعي في البنتاغون إلى قوات الاحتلال الإسرائيلي وقود «ج ب 8» بما قيمته 210 ملايين دولار أميركي لتغطية تكاليف حرب الإبادة الجماعية، بدلاً من تقديم أي مساعدة مالية أو دعم للبنى التحتية للناجين من كاترينا. بعد عام على إعصار كاترينا، عشرات آلاف الأشخاص كانوا لا يزالون محرومين من حقهم في العودة إلى ديارهم، ولم تُصرف المساعدات القليلة التي وعدت بها الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ. بعد ثلاث سنوات أصبح تعداد سكان نيو أورليانز ثلثي ما كان عليه قبل الإعصار.
من المعروف في هذه المنطقة أنّ الولايات المتحدة تقدم دعماً غير مسبوق إلى آلة الحرب الإسرائيلية، ولكننا غالباً لا نضع هذا في سياق سياسات الإبادة الجماعية الأميركية التي تستهدف شعباً ذا تلوينات داخلية. كثير من المجتمعات المحلية في نيو أورليانز، ولا سيما في مناطق مثل «Lower Ninth Ward»، يفهم وضعه بالعلاقة مع سياسات الولايات المتحدة الاستعمارية الجديدة في العراق وأفغانستان. وحدات الحرس الوطني الأميركي التي كان يمكن نشرها للمساعدة في إخلاء المدينة كانت تقتل المدنيين الأبرياء في العراق. أفراد الحرس الوطني العائدون من العراق يتحدثون عن نيو أورليانز على نحو مشابه للمنطقة الخضراء في العراق. بدلاً من المساعدة كانوا يحرسون من أُجلوا وأُبقوا خلف متاريس مليئة بالوحل ومياه الصرف الصحي.
جهود الإغاثة القليلة التي ظهرت تشبه السياسات الاستعمارية الجديدة لأميركا في المنطقة. الناجون مجرّمون، مهمشون، ومنسيون.
وقد جاء إلى نيو أورليانز المقاولون أنفسهم الذين يسيئون إدارة إعادة الإعمار ويعيثون الخراب في العراق، وبينهم شركة «بلاكووتر» وشركة الأمن الإسرائيلية «انستينكتيف شوتينغ انترناشونال».
ونحن نقترب من الذكرى السنوية الثالثة لكاترينا، نجد أن الوكالة الاتحادية لإدارة الطوارئ قد أغلقت للتو أكبر وحدة سكنية متنقلة. كان الناجون من نيو أورليانز يعيشون فيها في ظروف كئيبة، ولا يزالون ممنوعين من حقهم في العودة إلى ديارهم. الآن هم بلا مأوى. فالمقطورات التي كانوا يعيشون فيها مؤقتاً تشبه بشكل ملحوظ أحدث وحدات متنقلة يعيش فيها قلة من الفلسطينيين الذين سمح لها بالعودة إلى نهر البارد. هذه الوحدات الفولاذية الصغيرة قد توفر مأوى لهذه المجتمعات، ولكن التعرض للحرارة الشديدة والبرد القارص، وحشر عائلات كبيرة في مساحات صغيرة لا إنسانية، كل هذا يجعلها غير صالحة للعيش. في المكانين، جُرّم الهاربون وحرموا من حقهم في العودة إلى ديارهم المدمرة، وتخلت عنهم المؤسسات والمنظمات التي وعدت بإعادة بناء مجتمعاتهم.
وفي نهر البارد، كما في نيو أورليانز، هناك مجموعات من الناس من هذه المجتمعات قاومت السلطات للمطالبة بحقها في العودة. مؤسسات مثل «الأرضية المشتركة للإغاثة» عبّأت جهود إعادة البناء والإغاثة تحت شعار «التضامن لا الصدقة». هذا التضامن أخذ بشكل رئيسي شكل العمل المحلي، لأن الناس في نيو أورليانز، جنوب لبنان، ونهر البارد، أعادوا بناء حياتهم. ولكن مشروع مدينة مرادفة يمكن أن يكون وسيلة منتجة لبناء حركة مقاومة أكثر قوة لنبض الاستعمار الجديد لدى الحكومات والشركات، والمنظمات غير الحكومية، التي تمتنع عموماً عن تقديم المشاريع المستدامة للمحرومين.
مشروع مدينة رديفة قائم على التضامن يمكن أن يقيم صلات عبر حياة من يتعرضون لما يدعوه نعومي كلاين «عقدة الكارثة الرأسمالية»، وذلك عن طريق خلق صلات ومشاريع مستدامة تقوم على إعادة بناء حياة الناس بطريقة تقوّيهم بما يكفي للكفاح من أجل الأهداف السياسية التي تعنيهم. تبادل الأفكار بشأن ثقافات المقاومة في نيو أورليانز وجنوب لبنان، ونهر البارد، قد يمكّن الناس في هذه المجتمعات من الاتحاد ضد حكومات مثل الولايات المتحدة المصمّمة على تدمير منازل الناس، فيما ترفض بناء ما يخصّها.
(ترجمة سلام سباعي)
* باحثة أميركيّة مقيمة في بيروت

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s